02-شباط-2017

المسؤولية الاجتماعية غائبة عن وسائل الإعلام

 

 

د. ياس خضير البياتي

في المرحلة المعاصرة التي نعيشها، بدأت تظهر مجموعة جديدة من المفاهيم كالمنظمات غير الحكومية، والتنمية المستدامة، والشفافية، والمحاسبية والتشبيك والشراكة، إضافة إلى المسؤولية الاجتماعية.

 

ويرى أصحاب نظرية المسؤولية الاجتماعية أن الحرية حق وواجب ومسؤولية في نفس الوقت، ومن هنا يجب أن تقبل وسائل الإعلام القيام بالتزامات معينة تجاه المجتمع، ويمكنها القيام بهذه الالتزامات من خلال وضع مستويات أو معايير مهنية للإعلام مثل الصدق والموضوعية والتوازن والدقة، ويجب على وسائل الإعلام في إطار قبولها بهذه الالتزامات أن تتولى تنظيم أمورها ذاتيا ضمن القانون والمؤسسات القائمة.

 

وتهدف هذه النظرية إلى رفع مستوى التصادم إلى مستوى النقاش الموضوعي البعيد عن الانفعال، حيث يحظر على وسائل الإعلام نشر أو عرض ما يساعد على الجريمة أو العنف، أو التدخل في حياة الأفراد الخاصة. فالمسؤولية الاجتماعية الأساسية للإعلام هي الحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعيين للمجتمع، والنأي عن كافة المسائل الشائكة والأمور غير المؤكدة التي يمكن أن تثير البلبلة. لذلك لا بد من إدراك أن المهم هو الالتزام بقاعدة الفهم قبل التفاهم.

 

أما في ما يتعلق بالإعلام العراقي، في ضوء المفاهيم السابقة، فإن المؤشرات التطبيقية تدل على غياب المسؤولية الاجتماعية عن سلوكيات المنظومة الإعلامية، رغم اعترافنا بأنها لا تنفصل عن المسارات السياسية والاجتماعية والثقافية، لأن هذه المسؤولية مرتبطة بثقافة مركبة ترتبط بطبيعة التنشئة السياسية والاجتماعية والقانونية لرجل الإعلام، وطبيعة النظام وفلسفته الإعلامية، والبيئة التي يعمل فيها الإعلامي.

 

ولأن البيئة السياسية العراقية هي بيئة صراع ملوثة بالطائفية والعنف، فإن التأسيس فيها لم يكن في الغالب هدفه أو غايته إعلامية بحتة ولا حتى تجارية تستهدف فيها الربح من العمل الإعلامي، بل إن جل أسبابه كانت تنحصر تقريبا بين بث أيديولوجيا طائفية أو مواجهتها، والتسويق الانتخابي والدعائي للأشخاص والأحزاب.

 

وللأسف لم تهتم غالبية وسائل الإعلام العراقية بمسألة التمويل، لأنه مؤمّن ويأتي عادة من دول لها مصالح متقاطعة على الساحة العراقية، أو من الموازنة العراقية ذاتها بطرق التحايل والتلاعب والفساد، ومن الإعلانات الحكومية التي تتقاسمها الأحزاب الحاكمة كما تتقاسم السلطة. ولعل هذا هو السبب الرئيسي في عدم اكتراث وسائل الإعلام العراقية بموضوع المسؤولية الاجتماعية، والسعي إلى توسيع قاعدة جمهورها والحصول على المزيد من المشاهدين أو المتابعين بل اكتفت بجمهور يمكنها مغازلة مشاعره الطائفية والعرقية من خلال إعادة إحياء موروث مشبع بالكراهية والحقد والخوف من الآخر، وعدم الثقة به، واستغلال غياب مفهوم المسؤولية الاجتماعية والهوية الوطنية أو التباسه.

 

إن التسامح حقيقة اجتماعية لا يمكن أن تتجسد بدون تطوير الثقافة المجتمعية من خلال وسائل الإعلام العراقية، لأن هدف المسؤولية الاجتماعية هو العمل على تطوير ثقافة الحرية والتواصل وحقوق الإنسان ونبذ العنف والإقصاء والمفاصلة الشعورية بين أبناء المجتمع الواحد، وهي القادرة على استيعاب الجميع بتنوعاتهم واختلافاتهم الاجتماعية والفكرية. صحيح أن التفاهم لا ينهي الاختلافات الإنسانية، ولكنه بالتأكيد يمنع تأججها وتحولها إلى مصدر لممارسة العنف والتطرف، وفي ذات الوقت يبقيها في حدودها الطبيعية.

 

ولأن وسائل الإعلام العراقية لم تساهم في رفع منسوب المسؤولية الاجتماعية كما ينبغي للحفاظ على المجتمع العراقي، فقد برزت أكثر من ظاهرة في سلوك المجتمع أبرزها: ظاهرة اللامبالاة، وخفوت الشعور بالانتماء، وفقدان الإحساس بالمسؤولية، وعدم الالتزام بالواجبات، وعدم الرغبة في مشاركة الآخرين في عملية اتخاذ القرارات التي تهم المجتمع.

 

والملاحظ في غياب الضوابط الإعلامية، استخدام التيارات السياسية والثقافية المتصارعة في العراق أنماطاً اتصالية مختلفة من ضمنها الاتصال الجماهيري بوصفه النمط الاتصالي الأكثر تأثيرا من الأنماط الأخرى، مستثمرة أجواء الانفلات الإعلامي الذي غابت عنه التشريعات الضابطة للعمل الإعلامي، الأمر الذي جعل الجماهير أمام وسائل إعلامية تعمل على هواها، وتروج لثقافات تتعارض بعض مضامينها مع مفاهيم الديمقراطية والثوابت الوطنية.

 

ومع أن الإعلام يعد مجالا للنخبة، فإن الإعلام العراقي غدا مجالا لذوي الثقافات المتدنية الذين لا تختلف ثقافتهم عن ثقافة الجمهور العام في شيء، بينما يراد للممسكين بهذه الوسائل ثقافة متقدمة على ثقافة المجتمع ليتسنى لهذه الوسائل الارتقاء بالمجتمع نحو آفاق رحبة، والرابط بين أغلبية وسائل الإعلام العراقية هو افتقادها للحرفية الإعلامية ونزوعها إلى الخطابات التحريضية وعدم شعورها بأهمية المسؤولية الاجتماعية.

 

وفي غياب مؤسسة حيادية مستقلة ومنظمات مهنية قادرة على الموازنة بين احترام حرية التعبير وحق الجمهور في الإطلاع على المعلومات، وبين تطبيق معايير السلوك المهني، ستبقى أغلب وسائل الإعلام العراقية أهم وسائل إدامة العنف والصراع وترسيخ ثقافة الكراهية.





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق