هارون محمد

28-كانون الثاني-2017

السنة العرب في العراق مقبلون على مرحلة جديدة

 

السنة العرب في العراق بعد التجربة المريرة التي عاشوها عقب احتلال العراق وما عانوه من حكومات حزب الدعوة، وما تعرضوا له من تقتيل ونزوح من داعش، لن يقبلوا بعد الآن بتهميشهم وإقصائهم.

يتوهم عدد من الكتاب والمعلقين السياسيين، وبعضهم يا للمفارقة يحسب نفسه ليبراليا أو علمانيا، عندما يتحدثون عن السنة العرب في العراق ويقولون إن سبب ما جرى لهم عقب الاحتلال من اضطهاد وتنكيل وتهميش، هو عدم وجود مرجعية دينية لهم على غرار مرجعية النجف الشيعية، دون أن يدركوا أن السنة سواء في العراق أو في غيره من الدول العربية والإسلامية، ليسوا طائفة دينية لها معتقدات وطقوس خاصة بها، وإنما يعتبرون أنفسهم، جزءا من أمة مرجعيتها، كتاب الله الكريم وسنة نبيه المصطفى، مع خصوصية سياسية وثقافية واجتماعية في كل بلد يعيشون فيه، وفي العراق مثلا، تبنى السنة العرب مفاهيم مدنية وليست دينية وانشغلوا ببناء الدولة العراقية الحديثة وتعزيز مؤسساتها كما حدث في عشرينات القرن الماضي، على عكس فئات تحفظت على مفهوم الدولة وطبيعتها لأسباب فقهية، منتظرة ظهور المهدي وحكومته العادلة، في حين تمردت أطراف كردية وبعض الأقليات لحسابات ذاتية ومناطقية أو عرقية.

 

ويخطئ أحد الكتاب وهو يتحدث نيابة عن السنة العرب في العراق، ويفترض أنهم باتوا يحبذون حكومة شيعية يقول إنها اكتسبت خبرة مع الزمن ويفضلونها على الإخوان المسلمين الذين أوصلوهم إلى داعش وهربوا، فمثل هذا الكلام لا صدقية له على أرض الواقع. فالغالبية السنية كانت، ومازالت، ترفض الأحزاب الشيعية التي تسلحت بنظام المحاصصات الطائفية الذي رسمه المحتلون الأميركان عند غزوهم العراق في أبريل 2003، وتقاطع بشدة جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسية الحزب الإسلامي، الذي شارك في حكومات بول بريمر وحزب الدعوة المتلاحقة. وللإنصاف فإن المناطق والمحافظات السنية وحدها، التي أطلقت فصائل وحركات المقاومة ضد المحتلين، قبل أن تظهر القاعدة وداعش وغيرهما من التنظيمات المتشددة التي ساهمت الأحزاب الشيعية الحاكمة بتشجيع من الأميركان بصعودها، لكسر المقاومة السنية والشطب على وطنيتها والإيحاء بأن الأجانب والوافدين هم قادتها.

 

والوقائع السياسية تثبت أيضا أن العشائر السنية هي التي طردت تنظيم القاعدة من العراق، وكان جزاؤها أن حكومة نوري المالكي الأولى طاردت مقاتليها، بعد أن أنجزوا مهمتهم باقتدار، وشنت عليهم حربا طائفية من اعتقال وقطع أرزاق وملاحقات كيدية وتقارير المخبر السري، والوقائع نفسها تؤكد أن البيئة السنية رفضت داعش وتصدت لخلافته المزعومة، أما القول إن الإخوان المسلمين أوصلوا السنة إلى داعش وهربوا، فهو ادعاء لا يخلو من غرض واضح يتمثل في تبرئة نوري المالكي ومؤامراته، في استقدام مسلحي داعش من الرقة ودير الزور والحسكة السورية إلى المحافظات السنية وفق نظريته المنحطة “بأسهم بينهم”، وقضية بيع الموصل وانسحاب ثلاث فرق عسكرية حكومية أمام 300 مسلح داعشي، فضيحة لا تسترها مزاعم وادعاءات أتباع “مختار العصر”.

 

وللعلم فإن الإخوان المسلمين الذين يراد تعظيم دورهم وإبراز قوتهم، ظلوا على الهامش، لا حضور لهم ولا قبول في المحافظات والمناطق السنية ذات النزعة القومية تاريخيا واجتماعيا، والحزب الإسلامي معزول سنيا، لأنه عمل أجيرا لدى الأحزاب الشيعية، منذ أيام زعيمه السابق محسن عبدالحميد عضو مجلس الحكم الانتقالي الملغى، إلى نائب أمينه العام الحالي سليم الجبوري رئيس مجلس النواب، المصطف مع المالكي كما ظهر مؤخرا في إقالة محافظ بغداد الصدري علي التميمي.

 

ومن الظلم أن يتهم السنة العرب بأنهم تعاطفوا مع تنظيم داعش وهم الذين عانوا من جرائمه وانتهاكاته أكثر من الفئات الأخرى، ولو كان لديهم عُشر أسلحة الفرق العسكرية في الموصل مثلا، لما تمكن مسلحو التنظيم من الوصول إلى حافات المدينة، ولكن ماذا نقول للمالكي وجنرالاته الفاشلين الذين جردوا أهل أم الربيعين حتى من سكاكين المطابخ وعدّوها أدوات إجرامية.

 

ومن المؤسف أن يغالط بعض الكتاب والسياسيين أنفسهم ويسعون إلى إضفاء طابع طائفي على القيادات العسكرية الشيعية التي تقود معركة تحرير مدينة الموصل السنية، دون أن ينتبهوا إلى حقيقتين، غـابتا سهـوا أو قصـدا عن أذهانهم. الأولى تجاهلهم لعدد من الضباط والقادة العسكريين السنة المشاركين في معركـة الموصل وقـد أبلوا بلاء حسنا في قتال داعش، وقدموا العشرات من الشهداء سواء من الجيش أو حرس نينوى، آخرهم العقيـد الركن سبهـان الجبـوري قائد اللواء71.

 

أما الحقيقة الثانية فهي، أن قادة القطعات العسكرية والقوات المشتركة في المعركة، جميعهم من ضباط الجيش العراقي السابق أمثال طالب شغاتي وعبدالغني الأسدي وعبدالوهاب الساعدي وعبدالأمير يارالله ومعن السعدي وعلي الفريجي، وأغلبهم كان يتبوأ مواقع قيادية في صفوف الجيش الذي حله الأميركان، ومعظمهم بعثيون سابقون أُعيدوا إلى الخدمة العسكرية للحاجة إليهم بعد أن انتبه حيدر العبادي إليهم واطلع على سجلهم المشرف في الجيش السابق ومؤسسته العسكرية الوطنية، وهذا ما أوغر صدر المالكي على العبادي الذي اختارهم، بعد أن أثبتوا نجاحا في مهامهم القتالية على عكس جنرالات بائع الموصل، الذين تخاذلوا في الميدان، وانسحبوا تاركين أطنان الأسلحة غنيمة للدواعش.

 

السنة العرب في العراق بعد التجربة المريرة التي عاشوها عقب احتلال العراق وما عانوه من حكومات حزب الدعوة، وما تعرضوا له من تقتيل ونزوح من داعش، لن يقبلوا بعد الآن بتهميشهم وإقصائهم، ولن يسمحوا حتى لو استخدموا القوة، لسنة المالكي وإيران والمنبطحين وأتباع “فقه الهزيمة” بتمثيلهم لاحقا، وقد بدأت نخبة وطنية وقومية منهم تتسم بالمبدئية والنزاهة، بمراجعة واقعهم المرير، والانطلاق بهدوء وحكمة في رسم خارطة جديدة لمستقبلهم السياسي والاجتماعي، لمرحلة ما بعد داعش، وأمامهم خيارات يدركون قسوتها، ولكنهم مصرون على تحديها، بما يضمن أمنهم وحرياتهم وحياتهم الكريمة وتعويض سنوات الخراب التي مرت بهم، ولا نريد استباق الأحداث، فانتظار الآتي من الشهور المقبلة أحسن.





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق