15-كانون الثاني-2017

 المساري تاه بين جمالين.. اولهما كربولي وثانيهما ضاري

 

لم يعرف عن احمد المساري في السابق غير انه طبيب يحب مهنته وينتقل بها بين مستشفى وآخر، ولم تظهر عليه ميول سياسية او اهتمامات فكرية وثقافية باستثناء تردده على المساجد وأداء الصلوات في وقت فراغه من عمله، فهو من هذه الناحية ملتزم دينيا وقريب من فكر الاخوان المسلمين دون ان ينتسب الى ذراعهم السياسي الحزب الاسلامي تنظيميا.

بدأ نشاطه السياسي ضمن مجموعة قادها زميله الطبيب السابق في جمعية الهلال الاحمر جمال الكربولي قبل ان يعزل منها في قضايا فساد ما زالت تلتصق به وتأبى ان تتركه لحاله رغم مرور سنوات عشر عليها، فقد احتضنه الكربولي ورشحه ضمن كتلة (الحل) احدى مكونات القائمة العراقية الى عضوية مجلس النواب في ربيع 2010، وفاز احمد المساري بمقعد برلماني في تلك الانتخابات عن العاصمة بغداد، ولكنه سرعان ما تخلى عن صاحبه جمال بعد حصوله على المقعد واستقراره تحت قبة البرلمان، وانسجم مع خط اسامة النجيفي ورافع العيساوي وسلمان الجميلي، طيلة الدورة الانتخابية التي استمرت اربع سنوات (2010 ـ 2014).

ولكن هذا الانسجام النيابي او السياسي مع هذه المجموعة لم يمنع  أحمد المساري من طرح نفسه بديلا لوزير المالية الاسبق رافع العيساوي الذي دخل في خلاف مكشوف مع رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، انتهى بتقديم استقالته من منصبه الوزاري في مطلع 2013، وكانت حجة المساري ان منصب وزير المالية سيادي ومن حصة كتلته وليس من العدل التخلي عنه والتمسك بالعيساوي الذي لن يعود اليه ابدا، ما دام المالكي رئيسا للوزراء، في حين كان زملاؤه يعدون حماسته لتسلم الوزارة الشاغرة، طموحا غير مشروع، وقد دخل في سجال معهم وكان يردد في حينه لماذا وافقتم على تعيين الطبيب رافع العيساوي وزيرا للمالية بينما تعترضون على الطبيب المساري تسلم الوزارة ؟

ولم يوافق المالكي في نهاية الامر على المرشحين السنة ومن ضمنهم المساري في تولي وزارة المالية، وظل ينقل ادارتها وكالة الى اعضاء في حزبه ووزراء في ائتلافه حتى نهاية ولايته الثانية.

في انتخابات 2014 سعى المساري الى تشكيل ائتلاف يكون هو على رأسه، ولكنه أخفق في استقطاب شخصيات لها حضور شعبي في الوسط السني، ولم يجد ايضا ممولا يغدق على انشطته، فاضطر عائدا الى قواعده السابقة ورشح نفسه ضمن ائتلاف (متحدون) برئاسة اسامة النجيفي، ودخل في منافسة شديدة مع زميله ظافر العاني على الرقم واحد في قائمة الائتلاف ببغداد، وانتهت الانتخابات التي احجم السنة عن المشاركة فيها احتجاجا على سياسات المالكي الطائفية، بفوز الاثنين باصوات قليلة، بعد ان تمكن زعيم حزب الدعوة بالتزوير والتهديد من الاستحواذ على اكثر من 700 الف صوت في العاصمة وحدها.

وسعى المساري عند تكليف حيدر العبادي برئاسة الحكومة الحالية في ايلول 2014، ان يجد له مكانا فيها، وتطلع الى ان يكون وزيرا للصحة باعتباره طبيب سابق وله خبرات وتجارب في شؤون الوزارة، ولكن سياقات المحاصصة الطائفية كانت قد حددت الوزراء السنة وعينت لهم الوزارات المخصصة لهم وهي الدفاع وشغلها خالد العبيدي والزراعة وتولاها فلاح الزيدان والكهرباء وتسلمها قاسم الفهداوي والتربية واستحوذ عليها محمد اقبال والتخطيط واسندت الى سلمان الجميلي الذي فشل في الانتخابات، في حين اصبح صالح المطلك نائبا لرئيس الحكومة لشؤون الخدمات قبل اقالته ضمن مشروع العبادي في ترشيق حكومته، بينما ذهبت وزارة الصحة التي كانت عينا المساري عليها الى الفريق الشيعي وصارت من حصة حزب الدعوة / جناح خضير الخزاعي الذي رشح لها طبيبة متواضعة في خبراتها وامكانياتها تدعى عديلة حمود.

واصيب المساري باحباط شديد عندما لم يحصل على منصب وزاري، وشعر ان زملاءه في كتلة (متحدون) خذلوه ولم يحققوا رغبته في تولي احدى الوزارات، وسمع في تلك الفترة وهو يندب حظه ويقول : (سلمان الجميلي فشل في ان يكون نائبا ولكنه صار وزيرا، وانا فزت في الانتخابات ولكني حرمت من الوزارة) وظل هذا الشعور يلازمه، بل انه في واحدة من لحظات الاحباط التي رافقته في تلك الفترة رشح نفسه لتولي رئاسة ديوان الوقف السني، دون ان يدرك ان صفقة تعيين لطيف هميم لهذا المنصب، رافقها دفع ملايين الدولارات وشاركت فيها اطراف محلية واخرى ايرانية ولبنانية.

ولم يجد المساري وهو تحت وطأة البحث عن زعامة يتطلع اليها غير ان يشكل حزبا جديدا أطلق عليه اسم (الحق الوطني) حتى ان الظرفاء من السياسيين وصفوا الاسم بانه يعني حق المساري في ان يكون قائدا سياسيا يتقدم على اسامة النجيفي وصالح المطلك وسليم الجبوري وجمال الكربولي، الذين يعتقد المساري انهم استهلكوا وعليهم ان يلزموا بيوتهم كمتقاعدين.

والمثير في حزب الحق الوطني انه (لملوم) سياسي ضم في تشكيلته القيادية عددا من الاسلاميين امثال محمود المشهداني ومأمون العلواني وخالد العلواني ورعد شلال العاني الى جانب ليبراليين مثل جلال الكعود ويساريين سابقين منهم سبهان الملا جياد وقوميين مثل صلاح الجميلي وعشائريين كما الشيخ رعد العاصي، مما اعطى انطباعا بانه حزب فضفاض وهلامي، يفتقر الى الانسجام الفكري والتوافق السياسي، وهما اساس نجاح الاحزاب والحركات السياسية.

ومما زاد في تعقيد ظهور حزب الحق الى العلن، ان المساري لم يتمكن من التستر على ممول حزبه، الذي اتضح انه جمال الضاري المحاسب المالي السابق في هيئة علماء المسلمين، الذي انشق عنها  عقب رحيل زعيمها الشيخ حارث الضاري، وبات يبحث عن دور سياسي خاص به بمعزل عن الهيئة حاضنته السابقة، ولان المساري والضاري يختلفان في ثقافتهما ومستوى وعيهما السياسي فانه من المتوقع ان يبرز صراع  بينهما قريبا، على قيادة الحزب، فالمساري يريد الحزب منصة يطل منها على المشهد كزعيم سياسي، بينما يسعى الضاري الى استثمار أمواله واستثماراته لايجاد موطيء قدم له في العملية السياسية في المرحلة المقبلة، ثم ان طبيعة الاثنين المنفرة ومزاجيتهما المفرطة، لا تسمحان لمثل هكذا حزب، ان يصبح فاعلا في الوسط السني الذي له سيل من الملاحظات على أداء الاثنين سابقا وحاليا، فالسنة العرب في العراق لم يجدوا من المساري وجمال الضاري مشاركة وجدانية او فعلية في خدمة السنة العرب الذين تعرضوا وما زالوا الى التهميش والتنكيل والتهجير من الحكومات المتعاقبة، بل ان ملايين السنة النازحين عن ديارهم ومناطقهم، في مخيمات النزوح ومعسكرات اللجوء لم يجدوا من الاثنين، اغاثة او مساعدة وهم يعانون الغربة والحاجة والجوع والامراض، في الوقت الذي ينشغل احمد المساري في عقد مهرجاته الدعائية، بينما ينصرف جمال الضاري الى تنمية استثماراته التجارية وتنظيم مؤتمراته الباريسية.

المساري الطبيب، قاده حظه السيىء في السياسة، الى اثنين يحملان اسم جمال، رغم انهما ليسا جميلين في الشكل والهيئة والعلاقات، وعندما تخلص من جلباب جمال الكربولي الملييء بالفضائح والشبهات، تلقفه بساط جمال الضاري المزركش بالوانه التي تجمع صورا من الضاحية الجنوبية لبيروت الى جمهورية لاتفيا القطبية.

 

 





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق