11-تموز-2016

جمال الضار ي ومؤتمره الباريسي

 

 

 

 

 كتب: د. محمد محمود عبد الحميد الحمداني

لا تعنيني تفاصيل مؤتمر باريس الذي عقده جمال الضار ي كثيراً. فأنا أعرف الرجل جيداً، أعرف امكانياته وقدراته ومؤهلاته، وأعرف منزلته بين أهله ومكانته في عشيرته، أعرفه قبل الاحتلال وبعده، وأعرفه منذ بزوغ شمس المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الامريكي إلى حين أفول شمسها وضعف أدائها وانحسار مدها.

لم يكن جمال الضار ي قبل احتلال بغداد خطيباً مفوها يعرفه الناس ويقصد مسجده المصلون يُوجه شبابهم ويُلهب فيهم الغيرة ويُشعل فيهم الحماس، ولا عالماً بارعا أو فقيهاً مشهورا يقصده طلاب العلم لينهلوا من علمه الفياض ويتشرفوا بالتتلمذ وطلب العلم على يديه، ولم يكن تاجراً بارزا أو رجل اعمال كبيراً او على اقل تقدير صاحب ثروة امتلكها من كسب يديه أو ورثها من آبائه وأجداده، وما كان شيخ عشيرة أو عيناً في قبيلة أو وجيهاً في قوم او صاحب ديوان تجتمع حوله الخلائق فيُكرم مُحتاجها ويُغيث ملهوفها ويُعين ضعيفها ويُطعم جائعها ويكسو عُراتها، ولم يكن ملاذاً لمظلوم من ظالم ولا منجى لهارب من فاتك، ولا ملجى لخائف من باطش، ولم يعرفه أحد بأنه سياسي بارع ولا كاتب جامع ولا أديب ماتع ولا رياضي مشهور، أو فنان كان العالم بفنه مبهور، بل هو شاب في قريته مغمور، فلا أفلح في مدرسة ولا نجح في اختبار، فلم ينه دراسته الثانوية.

وبعد الاحتلال الغاشم لم يكن جمال الضار ي يوماً ما، قائدا لفصيل مقاومة، ولا أميراً لجماعة مجاهدة، ولا رائدا في ميدان مواجهة، ولا بطلا يشق له غبار معركة، ولا مقاتلاً يواجه محتلاً بشجاعة، ولا باسلاً يجاهد عدواً بضراوة، بل كان أول ظهور له بين الفصائل، هو أنه يوصل لهم رسائل معينة من فضيلة الدكتور حارث الضاري يرحمه الله، توصي بالثبات والتوكل على الله ودعم زخم الضربات على المحتل وتنوعها بحكم قرابته وقربه منه. فدوره أقرب ما يكون من دور (المراسل) أو (ساعي بريد)، فلا شأن له بقتال مع عدو، أو رسم خطة ميدانية أو معرفة قيادية أو تقرير معركة من عدمها أو تهيئة عسكرية أو تحديد أهداف تكتيكية أو تعبئة سوقية، وهذا شيء مفروغ منه كونه ليس عالماً دينيا فيكون للفصائل مفتياً وموجهاً شرعيا، ولا عسكرياً ليُصبح لهم قائداً ميدانيا، ولا سياسياً ليرسم لهم استراتيجية، ولا مقاتلاً شرسا ليكون معهم جنديا.

وإذا كان مصطلح (سياسي بالصدفة) قد ظهر في الساحة العراقية وفاض استعماله لكثرة المتصفين به في هذه الايام، فإن جمال الضار ي يصدق عليه بحق لقب سياسي بالصدفة، فقد منحته قرابته من الدكتور حارث أن يكون قريبا مما يدور ويدار، لا سيما عقب استقالة ممثل هيئة علماء المسلمين في الخارج الدكتور محمد عياش الكبيسي تاركاً العمل ضمن مشروع الهيئة، بعد اختط لنفسه طريقاً يختلف في كثير من حيثياته بل ويتضاد مع رؤى الهيئة ومبادئها التي كان يمثلها ضاربا عرض الحائط علاقته بالهيئة وأمينها العام وطلق جميع الافكار التي كان يتبناها ويدافع عنها في مقالاته الصحفية وعلى الشبكة العنكبوتية ولقاءاته في الفضائيات التي كانت تستضيفه كونه الناطق باسم الهيئة في الخارج ليؤسس فيما بعد ما أطلق عليه (حماس العراق).

صنيع الكبيسي هذا ألقى بضلاله على أمين عام الهيئة رحمه الله، وأثرَّ على اتزان قراراته وخياراته بمن حوله وربما أورثته صدمة هذا الموقف ردة فعل غير طبيعية نتج عنها فقدان أو ضعف ثقته بالعاملين معه أو على أقل تقدير خشية أن يقع من أحدهم فعلا كفعل الكبيسي لا سيما وأن الاخير يعلم طرق صلات الهيئة بالخارج وعلاقاتها بالآخرين على المستوى الرسمي والشعبي والمنظماتي وسبل دعمها وإمدادها، وهذا بدوره حدا بالشيخ حارث أن يرجع القهقري في اختيار الاكفاء المشهود لهم بالعدالة والقوة والامانة، متأثراً بخلفيته القبلية باحثا عمن يستعين به من أهل بيته في المهمات الكبيرة لا سيما الصلات الخارجية التي يتحصل منها دعم مادي مباشر.

ولم يكن ابنه مثنى رغم تمتعه بإمكانيات ادارية رائعة ودراية في العمل كبيرة ومستوى عال من اللباقة وحسن التصرف والاداء مؤهلاً لهذه المهمة كونها تتطلب سفرا متواصلا وهذا ما لا يستطيعه بسبب مسؤوليته للمكتب الاعلامي للهيئة وانشغاله بالمهام الكبيرة المناطة به من جهة، ولعدم مقدرته على السفر بسبب وضعه الأمني، فلم يبق الا جمال هذا كونه قريبه المقرب ولا يتوقع منه أن يصنع ما صنعه محمد عياش الكبيسي، لان جمال يفتقر الى مؤهلات الصدارة وليست لديه نزعة الاستقلال، فقد كان (كتكوتا) صغيراً لم يتحصرم بعد، وطريق (تزبزبه) مازال طويلاً، ولعل مثنى هو من رشحه.

وهكذا صار جمال سفيراً لهيئة العلماء بعد أن كان مراسلاً عند أمينها العام، ومن هنا بدأ مشوار تحوله من سمكة صغيرة لا تعيش الا بماء الهيئة الى (حوت سمين) في بحر السياسيين العراقيين الجدد يلتقي بجهات رسمية وشعبية، جمعيات وجماعات، شخصيات وأحزاب، متبرعين وممولين ممثلا لعمه وهيئته، بل لكتائب ثورة العشرين ومن ثم لجميع الفصائل التي خولت الدكتور حارث الضاري يرحمه الله.

ويبدو أن الثقة الزائدة التي منحها الشيخ حارث الضاري لقريبه جمال وسكوت أعضاء هيئة الامانة العامة حياءً منه، منحا جمال الضاري شعوراً بالثقة وولدا عنده ارتياحاً وعدم خشية من وجود رقابة أو تساؤل على تصرفاته وأفعاله، وكم هو (الوارد) واين أوجه الصادر، وكم هو (المُرسل) ومن اين ؟ وفي اي وجه صُرف ومع من التقى وعلى ماذا اتفقا وحول أي شيء تحاورا وووو..؟ وغاب القط العب يا فار!.

وهذا كله أكسب جمال الضاري إصراراً على تعلم فنون اللعبة، وما يجب إعلانه وما يتحتم إسراره، وصار يتقن العزف على أوتار (إنا انزلناه في الجيب) بعد أن تعلم كيف تورد إبل الصدقات، ومن أين تؤكل كتف شياه المغانم ومتى يجوز اكتناز الذهب والفضة ؟ وبدأ كرشه ينمو مع الايام ويزداد جيبه تضخماً، وفق مبدأ هذا لكم وهذا (أهدي لي) ومما أهدي اليه بدأ يصنع حوله جمعاً ممن يستهويهم المال وتحركهم افرازاته (ابو مصطفى الزوبعي) مثالاً، مستعيناً بمال الهيئة وملحقاتها، وجرت المياه من تحت الشيخ حارث وابنه مثنى، ومن معهما من حيث لا يدروووون، وبلغ ذروة ذلك أيام تأسيس ما أطلق عليه بالمجالس العسكرية في 2013، فاستحوذ جمال على المال والقرار وترك الإعلام لغيره و(الهمبلات) للباقين، وكان يعي جيداً الوضع الصحي المتردي لعمه أبي مثنى وأنه مريض بمرض لا يرجى برؤه ولا شفاؤه، فبدأ يتجاوز الخطوط الحمر التي وضعتها الهيئة وأمينها العام، ومن هنا بدأت مرحلة إعداد جمال لإظهاره سياسياً جديداً بديلاً عن حارث الضاري بعد رحيله، يحمل اسمه ومن عائلته وكان معتمده وسفير هيئته وبخاصة أن بعض السياسيين والاعلاميين القريبين من الهيئة كانوا مهيئين لهكذا عمل (د. أحمد حقي) نموذجاً، حيث كانوا يتمنون الدخول في العملية السياسية، لكن وجود الشيخ حارث منعهم ومواقفه الثابتة أوقفتهم عند حدهم.

وهذا السيناريو أعلن عنه وبدأ العمل به ولم تكن دموع الباكين على رحيل الشيخ الضاري قد جفت، وتجرعت الهيئة وحلفاؤها من فصائل المقاومة تمرد جمال ومغادرته لبيت الهيئة الى حيث تم إعداده وتهيئته، يحظى برعاية قطرية ومباركة دول أوربية تحت نظر وعناية (العم سام) ومصانعه الخاصة في انتاج وتدوير الساسة العراقيين الجدد، وكان حصيلة ذلك منظمة (سفراء من أجل السلام) ثم (مؤتمر باريس) الذي أراد منه جمال الضاري ظلماً وعدواناً اختزال المعارضة العراقية بشخصه، وحصرها بمن معه، مُنكراً دور الاخرين بمختلف اسمائهم وتباين افعالهم وتجاهل  دورهم في المقاومة والمناهضة والمعارضة.

رحم الله الشيخ حارث.. فما أحسن اختيار الرجل الكفء في الموطن الصحيح، ولا الرجل المناسب في المكان المناسب، وهدى ابنه المثنى الذي الى ساعتنا هذه، ما أسمع العالم رأيه، ولا رأي هيئته بجمال وصفحته السوداء معهم بل ومع الحراك الوطني، لا ببيان تلاه ولا بتصريح سمعناه، ولا بتغريدة في (تويتر) او اشارة في (فيس بوك).

والله يطيح حظك امريكا على انتاج ساسة للعراق من حليب فاسد، وحقها (حسنة أم اللبن) من صارت سياسية..! هي ظلت عليها.





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق