29-أيار-2016

مؤتمر باريس (العراقي) ثرثرة فوق السين!

 

قبل نصف قرن اتحفنا استاذنا الكبير أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ برائعته (ثرثرة فوق النيل) وهي رواية تحولت الى شريط سينمائي بطله الفنان عماد حمدي عقب خمس سنوات من صدورها، حيث تدور احداثها في عوامة ترسو فوق نهر النيل الخالد، يجتمع فيها عدد من الاصدقاء في مجلس (كيف) ويتناولون الحشيش ويثرثرون في قضايا سياسية لا يفهمون فيها عن الثورة والاشتراكية والعدالة الاجتماعية، سرعان ما ينتقلون الى موضوعات شخصية وعاطفية عبثية هربا من اليأس الذي يلفهم والضيق الناخر لصدورهم ، وينتهي الفلم بفصل مؤثر عندما يعود بطل الرواية الى نفسه ويغادر العوامة هائما على وجهه في شوارع القاهرة وهو يشتم الدنيا التي ترفع بشراً منحطين ومغمورين لمجرد انهم يملكون مالا ًحراما، وتُذل آخرين فقراء وكادحين ولكنهم شرفاء واصحاب مروءة.

 

اليوم يُعيدنا واحد من الطالعين تواً في عالم السياسة، الى أجواء (ثرثرة فوق النيل) بطبعة عراقية، ولكن ليس فوق دجلة والفرات او شط العرب أو حتى نهر ديالى الذي يتدفق ماؤه بحمرة دماء أهلنا الصامدين في وجه مليشيات غدر هادي العامري واجرام عصائب قيس الخزعلي وانتهاكات القاتل مثنى التميمي، وانما فوق (السين)، النهر الباريسي الذي ينساب سحرا ودلالا وعلى سفحه تتمشى الحسناوات، ويتشابك العشاق في الحدائق والمتنزهات، وتنتشر على جانبيه المطاعم والبارات، وفنادق الخمس نجوم ومنها فندق مفعم بعطر وروائح الفصول الاربعة، مالكه يحتفظ لنفسه فيه بجناح ملوكي او ملكي (لا فرق) خاص به، توسل صاحبنا زعيم الدكان السياسي الجديد، ان ينزل فيه لثلاث ليال فقط، ودفع مقابل ذلك الشييء الفلاني بـ(اليورو) طبعاً، تعيل ورقة من اصغر فئاته اسرة عراقية نازحة او مهجّرة جائعة لايام .

 

والعجيب الغريب في صاحبنا، انه لا يحمل سيرة محمودة حتى من ربعه السابقين واقاربه المقربين الذين انشق عليهم لأسباب يتجنبون الكشف عن ملابساتها في انتظار تسوية (المسائل) بالتراضي، ولا يتميز بسمات الهيبة والمهابة، ولا بطلعة حُسن أليفة ولا بمسحة وقار مألوفة، يخاف المواجهات الصريحة ويختفي خلف صبية وجُهّال يتحدثون باسمه ولسانه، وينقلون اليه الباطل والاكاذيب طمعاً بهباته وتقرباً من ارصدته، ومصيبته انه يصّدقهم ويتبنى أحاديثهم المليئة باللغو والافتراء على الآخرين، على علاتها وعيوبها، لا يتفحصها أو يُمعن النظر بها، لانشغاله بـ(هموم) الوطن وازماته المتلاحقة، وهو مكئتب دائما، ومضطرب عادة، يلاحظ ذلك في نظراته الزائغة وصُفرة وجهه المائلة الى الزرقة الداكنة، دليل لؤم صارخ، والمفارقة انه يُصّر على ان الاقدار وضعته في موقع المسؤولية وصدارة العمل السياسي عقب رحيل زعيم هيئة العلماء المسلمين الشيخ حارث الضاري رحمه الله ، دون ان ينتبه الى انه لم يكن قياديا بالهيئة وملحقاتها في يوم من الايام، اضافة الى انها ـ أي الهيئة ـ مستمرة في انشطتها وفعالياتها بقيادة رئيسها الحالي مثنى الضاري بعيدا عنه، وقد استنكفت المشاركة في مؤتمره الباريسي الى جانب القوى والشخصيات الوطنية والقومية والاسلامية.

 

ولانه فقير فكر وثقافة وعديم خبرات وتجارب سياسية، فانه تشبث  في أن تحمل دكانته الجديدة المدفوعة النفقات مسّبقاً من بلد أو (قطر) يمّن عليه ـ ويجوز استخدام تمّن عليه ايضا ـ بشدات خضراء، اسم (المشروع  الوطني العراقي) دون ان يدرك ان هذه التسمية توحي وكأنها جبهة سياسية عريضة تضم احزابا وحركات وفصائل وجماعات، الامر الذي أشكل على كتكوت الحوزة عمار الحكيم الذي ظن وكل ظنونه آثام، ان الاسم مطابق لحزب احمد الجلبي المنقرض (المؤتمر الوطني العراقي) واحتج على هذا الاستغلال السياسي حسب رأيه الساذج، مدافعا عن عراب البيت الشيعي ومكوناته الطائفية ومن ضمنها المجلس الاعلى.

 

لقد انتهى مؤتمر باريس (العراقي) الذي لم يحضره غير سبعين مشاركاً من المغتربين العراقيين في الخارج واغلبهم وفد على العاصمة الفرنسية للسياحة والفرجة، بفشل ذريع واخفاق واضح، لانه ببساطة معزول وفارغ في مضمونه وبرنامج عمله، ولولا اللقطات التلفزيونية المجتزئة التي عرضتها قناتان فضائيتان عراقيتان تبثان من الخارج، كاعلان تجاري مدفوع الثمن سلفاً، لما سمع به أحد.  

 

ان راعي المؤتمر الحائر والقلق يريد ان يصير زعيما سياسيا يشار اليه بالبنان، ولا يهمه ان يتجه اليه قصيرو النظر والعميان، يهتفون له باعتباره شيخاً عالي جناب وصاحب شان، دون ان يخطر على باله المشتت، ان الزعامات ليست سلعة تأتي من ضفاف نهر السين الباريسي ولا من اسواق بلاروسيا، ولا بضاعة تُستورد من شواطيء الخليج ودوحاته المترفات ولا من ضجيج صالونات ما يسمى بـ(النخب والكفاءات) ولا ايضا من كثرة التردد على كردستان، ولا من التجوال في السويد والمانيا وفرنسا وبلاد الطليان، انها مكانة ومنزلة يرافقهما بذل وعطاء وكفاح وتضحيات، تحظيان بدعم الاخيار ومساندتهم، وتعاطف الاحرار ومحبتهم، ودائما تنطلق الزعامات من وقفات عز مبدئية ومواقف وطنية وقومية وانسانية، وليس في قاموسها شراء كتلة نيابية متهرئة وحيازة اصوات مبحوحة بقصد (تطوير) عملية سياسية فاسدة من سافلها الى عاليها، وترقب المشاركة في مسارها الاعوج أصلا، كما ليس في مواصفات الزعامة، عزلة وتفرد في اتخاذ القرارات في الدهاليز والظلمات حسب المزاج والاجندات، واستضافة سياسيين اجانب سابقين ومتقاعدين باتوا عاطلين وفائضين عن الحاجة، ولا في خصالها ايضا التباهي بصرف تذاكر سفر واقامات، او عقد مؤتمرات هامشية في افخم الفنادق والقاعات.

 

ولنا عودات للحديث عن ابتذال (الزعامات) في الفترات السابقات، وايراد قصص موثقة عنها وحكايات معززة بالوقائع والشهادات. 





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق