05-حزيران-2015


طارق عزيز..
مناضل صلب وسياسي مقتدر

 

 

 

 

 كتب: هارون محمد

هو واحد من الجيل الثاني في حزب البعث العربي الاشتراكي عندما انتمى اليه في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي وكان طالبا في كلية الآداب يدرس اللغة الانكليزية التي نبغ فيها الى جانب اتقانه اللغة العربية، وقد زامل عددا كبيرا من الطلبة البعثيين الذين كانوا يشكلون طليعة الحزب ابرزهم شفيق الكمالي وجعفر قاسم حمودي وعبدالستار الدوري وفخري قدوري وكريم شنتاف وفيصل حبيب الخيزران واياد سعيد ثابت ومدحت جمعة وشاذل طاقة وعبدالله سلوم السامرائي ومحمد جاسم الامين وغيرهم بالعشرات ممن كان زعيم الحزب يومها فؤاد الركابي يتوسم فيهم الكفاءة ويعمل على تأهيلهم لقيادة الحزب الشبابي الذي كان في بداية انتشاره.

 

عرف طارق عزيز المولود في قرية تلكيف الموصلية عام 1936 من اسرة مسيحية عربية منذ شبابه وهو طالب في المرحلة الثانوية بحماسه القومي وثقافته العالية وقد اختار البعث بيتا له واخلص له دون ان تثنيه المضايقات والمتاعب التي تعرض لها عن ممارسة دوره الحزبي ومهماته السياسية .

 

اشتغل طارق عزيز مدرسا في احدى اعداديات بغداد عقب تخرجه من كلية الاداب عام 1957 وواصل عمله الحزبي في مكتب المعلمين التابع للبعث الذي استعان به عندما اصدر جريدة (الجمهورية) عقب ثورة 14 تموز 1958 كمحرر اخبار وثقافة ومترجم الى جانب سعدون حمادي ومعاذ عبدالرحيم وعبدالوهاب الغريري وخالد على الصالح وعبدالله الركابي وأخرين من الشباب البعثي الذين زج بهم الحزب في مهنة الصحافة العلنية ، وعندما عطلت سلطات عبدالكريم قاسم الجريدة في تشرين الاول 1958 لوحق طارق عزيز كما هو حال رفاقه واوقف عقب حركة العقيد عبدالوهاب الشواف في الموصل في اذار 1959 وتم الافراج عنه لعدم ثبوت أي تهمة عليه وعاد الى عمله التدريسي ونشاطه السياسي كواحد من كوادر البعث.

 

وفي شباط 1963 اختاره حزب البعث الذي تسلم السلطة في العراق عقب القضاء على الفريق عبدالكريم قاسم وتقويض حكومته رئيسا لتحرير صحيفته الناطقة باسمه (الجماهير) واستمر فيها لغاية حركة 18 تشرين الثاني 1963 عندما قرر وزير الارشاد (الاعلام) الجديد عبدالكريم فرحان اعادة اسم (الجمهورية) بدلا من (الجماهير) الذي التصق باسم طارق عزيز واختار الصحفي المخضرم فيصل حسون رئيسا لتحريرها.

 

وتوجه طارق عزيز في هذه الفترة الى سوريا التي كان حزب البعث يحكمها واشتغل محررا وكاتبا في صحيفة (البعث) ومجلة (الجندي) وارتبط بصلات مع قادة الحزب ميشيل عفلق وصلاح البيطار وامين الحافظ وشبلي العيسمي الذين هربوا الى لبنان عندما تمكن يساريو الحزب او (القطريون) كما تمت تسميتهم يومها بقيادة صلاح جديد ونورالدين الاتاسي ويوسف زعين وحافظ الاسد وابراهيم ما خوس من الاطاحة بمن اسموهم بالقيادة اليمينية المتمثلة بعفلق ومجموعته، وكان نصيب طارق عزيز السجن لامتناعه عن التعاون مع الحركة الانقلابية ولم يفرج عنه الا في عام 1967 حيث سمح له بالعودة الى العراق في عهد الرئيس عبدالرحمن عارف.

 

وظل طارق عزيز في بغداد على مسافة واحدة من اجنحة الحزب التي كانت قائمة قبل عام 1968 ولم يرتبط تنظيميا باي منها، رغم ان بعض معاصريه في تلك الفترة يقولون انه كان اقرب الى جناح  وزير الداخلية السابق حازم جواد وكان يضم وزير الخارجية السابق طالب شبيب ووزير المواصلات السابق عبدالستار عبداللطيف والعميد حسن النقيب والعقيد زكريا السامرائي وغانم عبدالجليل والمحامي حسن وداي العطية، فيما كان الجناحان الاخران يخوضان صراعا مريرا بينهما حول شرعية كل واحد منهما.

 

وكان امين سر قيادة الجناح الاول المرتبط بالقيادة السورية الدكتور فؤاد العاني قد نجح في ضم الاستاذ الجامعي عمار الراوي والقاضي هادي العبادي ومسؤول الحزب في الموصل موفق عسكر واللواء عبدالكريم مصطفى نصرت واغلب قيادات فرع بغداد للحزب احمد ابو الجبن وصلاح المختار وضياء حسن وضياء الفلكي والصحفيين مليح ابراهيم شكر ومحسن خضير ونوري الزكم وهاني وهيب (النقيب المهندس السابق) الى تنظيمه، فيما ضم الجناح الاخر الذي ظل مرتبطا بعفلق كلا من احمد حسن البكر وصدام حسين وصلاح عمر العلي وعبدالخالق السامرائي وعزة مصطفى وصالح مهدي عماش وشفيق الكمالي وعبدالله سلوم وعزة الدوري وجعفر قاسم ومرتضى الحديثي وعبدالكريم الشيخلي وطه جزراوي، وضم هذا الجناح عددا من الصحفيين ابرزهم سعد قاسم حمودي وحسن العلوي ولطفي الخياط  وجليل العطية.

 

وكان امين سر حزب البعث السابق علي صالح السعدي قد نأى بنفسه عن الحزب في ذلك الوقت وشكل حزبا يساريا سماه بحزب العمال الثوري وضم محسن الشيخ راضي وهاني الفكيكي  وسعدي صالح وابو طالب الهاشمي وكان نشاطه في الخارج وتحديدا في لبنان قبل ان يعود قادته الى العراق عقب نكسة حزيران 1967، وينشغلوا في صراعات داخلية قادها محسن وهاني اللذان اتهما بالاستحواذ على مالية الحزب والتصرف بها، مما اضطر السعدي الى طردهما وحل الحزب.

 

وكان طارق عزيز من دعاة توحيد حزب البعث وبذل جهودا كبيرة بهذا الصدد ولكنه اخفق في مساعيه نظرا لتشبث قادة الاجنحة البعثية بمواقعهم حتى قامت حركة 17 تموز 1968 التي ناهضها في اول ايامها لاعتراضه على تعاون الحزب مع مجموعة عبدالرزاق النايف وابراهيم الداوود التي كانت تتهمهما الاوساط الحزبية والسياسية العراقية بالارتباط وتلقي التوجيهات من المخابرات الامريكية، ولكن معارضته خفت عقب اخراج النايف والداوود من منصبيهما في رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع ، وعودة لقاءاته مع عبدالخالق السامرائي الذي تولى مسؤولية المكتب الثقافي للحزب واليه يعود الفضل في ربط طارق عزيز بالحزب من جديد وتعيينه رئيسا لتحرير صحيفة (الثورة).

 

ويبدو ان صدام حسين الذي بدأ نجمه يتألق في الحزب عندما عين نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة واختير نائبا لامين سر القيادة القطرية عام 1969 قد اعجبته آراء طارق عزيز ووجهات نظره السياسية ومقالاته الصحفية وخصوصا في تفنيد طروحات الشيوعيين والاحزاب الكردية وقتئذ، فسعى الى استقطابه الى جانبه وبات مساعدا له، الامر الذي اغاظ الرئيس البكر وعضو القيادة طه جزراوي اللذان نجحا في عزل طارق عزيز عن رئاسة تحرير صحيفة (الثورة) وتعيين عضو القيادة ووزير الاعلام صلاح عمر العلي بدلا منه، ولما كان الاخير جديدا على الصحافة ولا يملك خبرات او تجارب فيها، فقد تولى عزيز السيد جاسم الذي استقدمه عبدالخالق السامرائي من ناحية النصر في الناصرية حيث كان معلما في احدى مدارسها الابتدائية ومتهما بميوله اليسارية الى بغداد ادارة شؤون صحيفة الحزب مساعدا للعلي.

 

ولم تمض غير فترة قصيرة ونجح عبدالخالق السامرائي بمؤازرة صدام حسين من اعادة طارق عزيز الى موقعه في رئاسة تحرير (الثورة) إضافة إلى عضويته في مكتب الاعلام القومي الذي كان يرأسه صدام حسين حتى عام 1974 عندما عين وزيرا للثقافة والاعلام بدلا من حامد علوان الجبوري واستمر فيها الى عام 1977 عند اجراء تعديل وزاري جديد شطرت الوزارة فيه الى وزارتين تولى الاعلام سعد قاسم حمودي والثقافة كريم شنتاف، واختير طارق عزيز عضوا في القيادة القطرية للحزب ومجلس قيادة الثورة ومشرفا على مكتب الاعلام القومي لغاية العام 1980 حيث عين وزيرا للخارجية بدلا من سعدون حمادي.

 

وخاض طارق عزيز وهو وزير للخارجية معارك دبلوماسية ناجحة ضد ايران التي شنت حربا عدوانية على العراق في ايلول 1980 وتمكن بقوة منطقه السياسي وثقافته العالية وهدوئه العميق من عزل ايران في المحافل الدولية وفضح مشاريعها العدوانية، والى قدراته الدبلوماسية يعود الفضل في اعادة العلاقات مع بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية التي قطعها الرئيس السابق عبدالرحمن عارف عام 1967 ويوصف بانه عراب زيارة رامسفيلد الى بغداد مبعوثا من الرئيس الامريكي ريغان عام 1983.

 

وكان عزيز قد تعرض الى محاولة اغتيال نفذها عميل ايراني يعتقد انه عضو في حزب الدعوة في نيسان 1980 عندما كان يرعى مهرجانا طلابيا في الجامعة المستنصرية، حيث اصيب في ذراعه بشظايا قنبلة رماها الجاني عليه.

 

وعقب حرب عاصفة الصحراء 1991 بذل طارق عزيز جهودا مضنية في مواجهة الحصار الدولي الذي فرض على العراق واشتبك في معارك سياسية ودبلوماسية مع الولايات الامريكية التي كانت تقود ذلك الحصار الجائر، وخاض صراعا مريرا مع لجان التفتيش الدولية ونجح في كسر عزلة العراق الخارجية واعاد علاقاته المتوترة مع مصر وسوريا وقاد الدبلوماسية العراقية بنجاح في اتجاه روسيا وفرنسا وتمكن من اقناع كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة لزيارة العراق ومقابلة الرئيس صدام حسين، وهو ما اغاض واشنطن التي اضمرت حقدا واضحا عليه وادرجته ضمن قائمة المطلوبين لها قبل شن حربها الاخيرة على العراق في 19 آذار 2003 وحمل الرقم (12) من اصل القائمة الـ(55).

 

وقد سلم طارق عزيز نفسه الى سلطات الاحتلال الامريكي في الرابع والعشرين من نيسان 2003 بعد ان وعدته بمحاكمة عادلة ولكن واشنطن اخلفت وعودها كعادتها واوعزت بمحاكمته امام محكمة عراقية التشكيل امريكية التوجيه بتهم مختلقة لا علاقة له بها وحكمت عليه بالاعدام.

 

ولان طارق عزيز رجل صادق مع نفسه ولا يخون مبادئه، فقد رفض الادلاء بشهادة تدين الرئيس صدام حسين خلال جلسات المحاكمة ودافع عنه بشجاعة وظل متماسكا في وطنيته وثابتا في مواقفه رغم آلام السجن والامراض التي هاجمته في غياب الرعاية الصحية.

 

وعندما يستذكر العراقيون الاحرار مواقف طارق عزيز الوطنية والقومية على مدى 33 سنة متصلة فانهم يشعرون بالفخر لما بذله هذا الانسان الراقي في اخلاقه والمخلص في عمله والحريص على بلده وشعبه، فقد كان رجلا يحمل كل معاني الرجولة الحقة، لم يضعف ولم يهادن ولم يحن هامته امام الصغار الذين اصطحبوا قوات الاحتلال او ركبوا الدبابة الامريكية او ركضوا وراءها وصاروا رؤساء وقادة ووزراء وجميعهم لو جمعتهم كلهم على بعضهم لما وصلوا الى عشر قامة هذا الشيخ الوقور، النصراني العربي والقومي المبدئي، المفكر والمناضل طارق عزيز.





التعليقات

الاسم ابو حسن العربي
التاريخ 07/06/2015 11:56:53 ص
التعليق لافض فوك ابا رشيد مناضلا فاعلا ومورخا للحركة الوطنية في العراق العظيم الذي انجب امثالك وامثال المناضل الشهيد طارق عزيز دمتم صوتا عاليا للوطنية الحقه ومبرا شريفا للكلمة الصادقة الامينه لمما جري ويجري على العراق الابي حياكم الله ونصركم

الاسم مازن محمد
التاريخ 08/06/2015 02:21:48 ص
التعليق كل الشكر والامتنان للاستاذ الفاضل هارون محمد لهذا المقال الرائع الذي انصفت فيه هذا المناضل الكبير بكلمة حق ،رحم الله طارق عزيز ومثواه الجنة باذن الله لما قدمه في خدمة العراق وامته العربية.


الاسم علي هادي العبادي
التاريخ 12/09/2015 01:18:37 ص
التعليق الشكر و الامتنان للاسناذ هارون محمد لكن لدي تساؤل هل القاضي هادي العبادي هو نفسه منصرف لواء الحلة سنة 63 و دمتم.

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق