فرات الجواهري

09-تشرين الثاني-2014

سلام الله عليك يا فرات الجواهري

 

 

 

 

 

كتب: سلام الشماع

ما وجدت محباً للعراق ولا عاشقاً له مثل صديقي الراحل فرات الجواهري..

قطعة من قلبه كان العراق، ولو أنه لم يمتلك في حياته سوى تلك المحبة وذلك العشق، ولم يقدم للعراق غيرهما لكفانا فخراً به وتباهياً باسمه، ولكنه كان صحفياً بارعاً، إلى جانب ذلك، وحافظاً لشعر والده الجواهري الكبير ومخزناً لحكايات فريدة عن ذلك الأب العملاق.

 

أسعد ساعاتي كانت تلك التي أقضيها معه نلعب النرد في المقهى المجاور للجريدة التي كنا نعمل فيها (الجمهورية)، التي به وبأمثاله من المثابرين أصبحت مدرسة من مدارس الصحافة العراقية..

 

كنا نشرّق في الحديث ونغرّب، ولكني إذا شرّق الحديث معه أو غرّب أخرج وقد تعلمت أشياء وأشياء، وعرفت أكثر فأكثر كم هو عظيم العراق الذي على ترابه ولدنا.

 

في ليلة العدوان في العام 1991، لم يكن أحد طلب منه الحضور إلى الجريدة ليلاً، فدوامه ينتهي نهاراً، ولكنه جاء قبل ساعات قليلة من دوي صافرات الإنذار وقنابل العدوان وأعلن أنه سيبقى معنا حتى الصباح.. كان يترجم لنا التقارير العالمية التي ترد من وكالات الأنباء العالمية إلى أجهزة الجريدة، وهو الذي أخبرنا أن نستعد لأن بغداد ستقصف بعد ساعة، وفعلا غطت سماء العاصمة طائرات العدوانيين وقصفتها قصفاً لم نر له مثيلا من قبل.

 

كنا مجموعة محددة من الصحفيين والعاملين نبقى حتى الصباح في الجريدة، ولا يغمض لنا جفن حتى نرى الجريدة في أيدي قرائها، أما الباقون فكانوا يدامون نهاراً، ومنهم فرات الجواهري، ولكن فراتاً لم يكن يكتفي بالدوام النهاري فكان يأتي ليلاً ليواصل العمل معنا، وكان وجوده ضرورياً إلى جانبنا بما يمتلكه من خبرة واسعة، وقد حلّ الكثير من المشكلات التي واجهتنا في عملنا تحت القصف.. وظل معنا ومع زملائه في الدوام النهاري حتى وقف إطلاق النار، الذي قال لنا فرات إن وقف إطلاق النار هذا لا يعني أبداً أن المؤامرة على العراق انتهت.

 

وكان أن كرمه الرئيس الراحل صدام حسين بنوطي شجاعة تثمينا لموقفه وغيرته على العراق وحرصه على عمله وثباته في موقع العمل غير مبال بشدة القصف العدواني.

 

وأذكر أن الزميل محمد جبير كلفه، رحمة الله عليه، وكلفني بالذهاب معه إلى مدينة المسيب لخطبة إحدى الزميلات من جريدتنا، وبيّن لنا أن أباها متشدد في الرفض، ومن حديث جبير عرفت أن هذا الأب مولع بقراءة مؤلفات الدكتور علي الوردي، فتعهدت له أن أبا الفتاة سيوافق على تزويجه بابنته، فذهل جبير ولم يصدق.

 

ذهبت من فوري وأقنعت الدكتور علي الوردي بالمجيء معنا للتغلب على رفض أبي الفتاة، ولم أخبره أننا سنذهب الى المسيب، وهو لم يسأل، أيضاً، ظاناً أن الأمر سيتم في بغداد، وفي الموعد المقرر أقلتنا سيارة فرات إلى بيت الوردي، بعد أن أفهمناه بتدبر الأمر مع الوردي إذا هو شعر أننا سنغادر بغداد، وفعلاً توجهنا إلى المسيب وطوال الطريق كان فرات يتحدث مع الوردي ويحدثه الوردي بما أنساه الطريق، ولكننا ما أوشكنا على الوصول إلى مشارف المسيب حتى سألنا الوردي: (هاي وين رايحين؟ للمحمودية؟) ولما أخبرناه أننا تركنا المحمودية وراءنا وأننا صرنا على مشارف المسيب، ابتسم والتفت إلى فرات وقال له بمحبة: (هاي سوالفك؟) وضحكنا جميعاً.

 

لكن المفاجأة في بيت الفتاة، إذ عندما علم والدها بمجيئنا لخطبتها لمحمد جبير خرج بوجه مكفهر غاضب، وكأنه كان مصمماً على طردنا، إلا أن وجهه انقلب إلى عكس ذلك عندما رأى الوردي وعرف أن معه فرات نجل الجواهري الكبير فبالغ بالحفاوة بنا وأعلن أنه سيتباهى على جميع أبناء المدينة لأن بيته المتواضع ضم العراق كله، وقال: خذوا الفتاة معكم (كبعوها واخذوها)، فأنتم منحتموني شرفاً لم أحلم به.

 

كان فرات أكثرنا فرحاً بموافقة والد الفتاة بعد رفضه الشديد، أما محمد جبير وأبوه الذي رافقنا في السيارة فقد كانا مذهولين من شدة المفاجأة.

 

رحمك الله يا صديقي فرات وأكرمك كما أكرمت الناس وأفرحك في آخرتك كما أفرحتهم وجزاك عن العراق خيراً.. وليت لآخرين يتعلمون منك الاخلاص للعراق والتفاني في سبيله.





التعليقات

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق