هارون محمد

20-أيلول-2014

عبدالجبار شنشل.. كفيت ووفيت نم قرير العين

 

 

 

 

 

 

 

 

عُرف الفريق الاول الركن عبد الجبار شنشل بالعصامية والنزاهة والانضباط والصرامة طيلة ستة عقود أمضاها في الخدمة العسكرية، جنديا مقاتلا في الثكنات والمعسكرات، لم يسجل عليه أنه تهاون في واجباته، او تخلى عن مسؤولياته، أو نافق في علاقاته، وأجمل ما فيه تلك اللكنة الموصلية في كلامه التي ظلت ملازمة له مع انه لم يعش في الموصل غير سنوات دراسته الابتدائية والاعدادية، فيما قضى اكثر من سبعين عاما في بغداد وبقية المحافظات بحيث بات خبيرا في الجغرافيا العراقية وهو القائد العسكري البارز، من كثرة تنقلاته واقاماته في المدن والبلدات والقرى والجبال والوديان والبوادي والاهوار، يعرفها بالتفاصيل بالاسم والمساحة والمسافة والعلامات، وكثيرا ما كنا نلجأ اليه في عملنا الصحافي والاعلامي نسأله ونستفسر منه عن مكان او حدث،  فكان يجيب ويشرح بأدق التفاصيل.

 

ومن تابع سنواته الاخيرة وهو يقيم في العاصمة الاردنية مغتربا ومريضا لا بد ولاحظ انه ظل عزيزا كريما يعيش على مدخراته المتواضعة في تسديد تكاليف علاجه، وهذه حقيقة مؤلمة، فمثل هؤلاء الرجال في الدول الرأسمالية والشيوعية ، الغنية والفقيرة ، يحظون بمكانة رفيعة ومنزلة عالية تقديرا لمواقفهم البطولية وتضحياتهم السخية، الا في العراق اليوم، حيث يحكم ويتحكم فيه الصغار والعملاء واللصوص واصحاب العاهات والوافدون عليه والمستوطنون لارضه التي في كل شبر منها آثار اقدام ثابتة ونقط دم زكية، لرجال صدقوا مع ربهم ووطنهم وشعبهم، فمنهم من استشهد ومنهم من عوق او بقى رمزا تروى سيرته الوطنية وبسالته القومية للاجيال تستعيدها بفخر جيلا بعد جيل، ومن الفئة الاخيرة الفريق عبدالجبار شنشل.

 

وتصوروا رجلا قضى في الجندية ثلاثة ارباع عمره، تعرض خلالها الى الموت عشرات المرات دفاعا عن بلاده وامته  متدرجا من آمر فصيل الى وزير للدفاع باقتدار، ومن رتبة ملازم ثان الى فريق أول باستحقاق، يدفع تكاليف أدوية وطبابة ورقود في المستشفى بصعوبة، وهو الذي كان بمقدوره وبسهولة ان يفتتح أرصدة وحسابات يضع فيها الملايين بل المليارات من الدولارات والجنيهات والروبلات والفرنكات الفرنسية والماركات الالمانية وغيرها من العملات الدولية الاخرى، ولكنه انسان فاضل وجليل لم يمد يدا الى الحرام طوال عمره، قانع براتبه الشهري، راض بحياته البسيطة وسط اسرته ومؤسسته ومجتمعه، وهو الحريص الى حد الصوفية في الابتعاد عن المباهج والرفاه والمغريات، نزيه بشكل لا يصدق، يتجنب كل شيء قد يثير اللغط وسوء الحديث والكلام، واليكم هذه الحكاية وشهودها أحياء يرزقون، للدلالة على عفته ونبله وصدقه مع نفسه والاخرين.

 

في عام 1976 سافر وفد عراقي رسمي كبير الى موسكو برئاسة الدكتور عزة مصطفى عضو مجلس قيادة الثورة ووزير العمل والشؤون الاجتماعية في حينه وعضوية عدد من الوزراء والمسؤولين من بينهم رئيس أركان الجيش الفريق عبد الجبار شنشل الذي تولى رئاسة الجانب العراقي في المباحثات العسكرية مع المسؤولين السوفييت، وكان شديدا وحريصا في المفاوضات التي تناولت قضايا تدريبية وشراء أسلحة ومعدات بلغت قيمتها بما يعادل اربعة عشر مليون روبل ايام كان الروبل يساوي دولارا، وحان موعد التوقيع على محضر الاتفاق، وحضر رئيسا واعضاء الوفدين العسكريين العراقي والسوفييتي، ولكن سرت همهمة لدى الجانب العراقي وتأخر موعد التوقيع وسط غضب واضح على وجوه الجنرالات السوفييت، وتبين في نهاية الامر ان الفريق شنشل يمتنع عن التوقيع على الاتفاقية ويبرر امتناعه بان المبلغ عال جدا وبالملايين، ولا يصح التوقيع عليه من قبله ما دام هناك عضو مجلس قيادة الثورة يرأس الوفد، وحدثت مشكلة لم يحسمها غير اطلالة الدكتور عزة مصطفى على المجتمعين حيث قام بالتوقيع على الاتفاقية العسكرية الثنائية، وتنفس الفريق شنشل الصعداء وسمعه المقربون منه وهو يردد مع نفسه الحمد الله فُرجت! وتردد في حينه ان الدكتور مصطفى عند عودته الى بغداد حدّث الرئيس أحمد حسن البكر- رحمه الله ـ بالقصة وكيف استاء المسؤولون السوفييت من امتناع رئيس اركان الجيش العراقي عن توقيع الاتفاقية العسكرية التي فاوض عليها وكان اعتقادهم انه غير راض عن كلفتها المالية، فضحك البكر وقال للوزير مصطفى: يا دكتور لازم كنت تعرف ان ابا مثنى - يقصد الفريق عبد الجبار- حنبلي ويصير مثل سامي الشيخلي (بطل العراق والعرب في ركضة المئة متر) عند شغلة الفلوس!

 

الفريق عبد الجبار شنشل رغم صرامته وحزمه المشهودين به، بسيط في تعامله مع الضباط والجنود والمراتب حتى وهو رئيس اركان ووزير، كان يتفقد المواقع الامامية والحجابات على جبهة الحرب مع ايران بنفسه دون ان ينزع رتبته والانواط والاوسمة عن صدره للتمويه او التخفي، وعندما حاول الفريق المرحوم ثابت سلطان قائد الفيلق الرابع ذات مرة ان يمنعه من زيارة موقع عسكري أمامي كان مشتبكا مع العدو، وقف شنشل وهو يرتعد من الغضب وصاح بالفريق ثابت: ابق في غرفة العمليات وعالج الموقف وانا رايح عند أولادي، ونهض وسار بخطوات ثابتة نحو سيارته وسط تساقط كثيف من القنابل والقذائف المعادية ولحق به الفريق ثابت وقاد بنفسه عجلة الفريق شنشل الى الموقع الامامي الذي استبشر ضباطه وجنوده بمقدم رئيس الاركان وقائد الفيلق وصالوا على الايرانيين صولة فرسان ودحروهم، وعندما سمع الرئيس الراحل صدام بالحكاية ضحك طويلا وقال: (منو يقدر يمنع ابو مثنى بهيج شغلات وحالات، والله صدام حسين ما يقدر يمنعه..؟

 

والحقيقة التي يجب ان تثبت للتاريخ ان اغلب قادة وضباط الجيش العراقي الاصيل من رؤساء وزملاء وتلامذة الفريق شنشل، أصحاب غيرة وطنية وقومية وأهل كفاءة وخبرة ويتمتعون بحس انساني وصلابة وشجاعة غير هيابين من الحق ولا يخشون الشدائد والمحن مهما كبرت واتسعت، وفلسفتهم في الدنيا، الحياة بعزة والموت بشرف، وبالتأكيد فان أقسى ما مر به الفريق شنشل انه عاش سنواته الاخيرة بعيدا عن وطنه برعاية ابنته التي اثبتت انها ابنة ابيها المهيب وسليلة آل شنشل ونتاج أم الربيعين وهي تسهر على صحته وتحرص على مداراته بلا كلل او ملل، يرافقها الفخر وهي تلازم ابا كبيرا وقائدا عظيما وانسانا محمودا.

 

الفريق عبد الجبار كان يمكن ان يعيش في قصور فخمة وفيللات باذخة ووسط الخدم والحشم والسيارات والمرافقين لو فكر بنفسه واسرته، ولكنه ابن العراق والموصل الحدباء وهذا وحده يكفي، لم يفتح فمه في طلب مساعدة هو بأمس الحاجة اليها، ولم يسأل ولم يعتب ولم يخفض رأسا او هامة لاحد، هو هو بوجهه الحاد القسمات والتجاعيد المحفورة بعمق رغم شلل نصفي ضرب جسده نتيجة جلطة دماغية، ايمانه عميق بان عراقه سيعود كما كان أبيا وسيدا، وهو على يقين بان الجيش الذي كان فيه جنديا كما يردد دائما سيعود مجيدا وقويا مهما استخدم الغزاة وخدمهم من وسائل واجراءات حل والغاء . فالجيش الذي خرج منه جعفر العسكري وطه الهاشمي وصائب صالح الجبوري وصلاح الدين الصباغ ومحمود سلمان وفهمي سعيد وكامل شبيب ورفيق عارف وعمر علي ونجيب الربيعي وناظم الطبقجلي وعبد الوهاب الشواف ورفعت الحاج سري وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وناجي طالب وطاهر يحيي وطه الشيخ احمد واحمد صالح العبدي وخليل سعيد ومحسن حسين الحبيب وداوود سرسم وعارف عبد الرزاق ورجب عبد المجيد ومحمد مجيد وهادي خماس وعبدالرحمن عارف وابراهيم فيصل الانصاري وصبحي عبد الحميد وحردان التكريتي وعدنان خيرالله ونزار الخزرجي وسلطان هاشم وعلاء الجنابي وعبدالواحد شنان آل رباط وياسين المعيني وهشام صباح الفخري وحميد شعبان وصابر الدوري وحسين رشيد واياد فتيح الراوي والقائمة تطول من مئات القادة الاشاوس والاف الضباط النشامى، منهم من راح شهيدا ومنهم من ينتظر، لن يذل ولن ينتهي ، وهكذا هم الرجال يبقون صناديد حتى في حالات ابعادهم القسرية عن معسكراتهم وثكناتهم..

 

عبد الجبار شنشل.. تحية اكبار واعتزاز وانت تغادرنا وترحل الى دار الخلود فقد عشت نجيبا وشجاعا، وهذه سمة ضباط وقادة ووزراء ومسؤولي العراق الوطني والقومي قبل ان يتحول الى عراق الامريكان والعجم تسرح فيه جيوش المرتزقة واللملوم والدمج واصحاب الرتب المزيفة والقيادة البائسة.

 





التعليقات

الاسم سعد المشهداني
التاريخ 20/09/2014 09:53:34 ص
التعليق اود ان اثبت حالة تثبت عصامية المغفور له كان رحمه الله وبالتحيد التسعينات كان يحضر بملابسه المدنية وهو يقود سيارته الشخصية كل يوم خميس عصراً الى اسواق بغداد او دجاج فارس ليتسوق مع زوجته كل يوم خميس تصورو ماهو تسوقه (دجاجة واحدة فقط لاغير مجمدة + طبقة بيض واحدة) راوي الحادثة صديقي كان يعمل محاسب في هذه الاسواق في الداودي رحمه الله وجعل مثواه الجنة

الاسم رمضان محمد
التاريخ 20/09/2014 10:16:48 ص
التعليق تلك ذكريات جميله عاش العراق عزيز كريم ذاخر فى كل المخافل الدوليه وموسسات العالم ومحيطه العربى والاقليمى كان نجم ساطع فى سماء الامه بجهود هؤلاء المخلصين من ابنائه وسيسطر التاريخ حروف من نور على تاريخهم وعطائهم الذى لايحصى ولايعد من جعل العراق فى مصاف امته العربيه فى العسكريه وفى التعليم كان العراق من اكثر الوطن العربى من حيث العلماء والاكاديميين وكذلك فى الصحه والتعليم وغيرها من رفاهيه الشعب العراقى واستقلاله الوطنى انها لذكريات عظيمه فى رجل عظيم الفريق شنشل لما له من صولات وجولات وطنيه فى خدمه العراق ووحده وسياده اراضيه الف تحيه له ولكل ابنائه الخيريين واشكرك استاذ هارون على سردك لهؤلاء الاجلاء

الاسم صالح الجبوري
التاريخ 20/09/2014 01:51:21 م
التعليق الكلام أمانة في عنق المتكلم .

يبقى المرحوم عبد الجبار شنشل رحمه الله واحسن مثواه . يبقى النموذج الأفضل بين كافة اسماء القادة العسكريين الاقدمين والذين ورد ذكر اسمائهم بالتقرير اعلاه لسبب واحد جوهري ، وهو ان عبد الجبار شنشل الاسطوره كان يتحلى بعزية نفس عاليه جدا جدا لم يسبقه مثيل لها ، من خلال ذلك اكتسب محبتنا له وها نحن نكتب امجاده وسيرته العطره بأحسن الصوره .

اتقدم بالعزاء لعائلة المرحوم واقاربه ومعارفه سائلا المولى جل وعلا ان يجعل قبره روضا من رياض الجنه ويتقبله قبولا حسن ويسكنه دارا بالاخره افضل من داره بالدنيا ويعفيه من السؤال وينزلة منزلة الاولياء الطيبين الصالحين . وانا لله وانا اليه راجعون .

الفاتحه على روح المرحوم

الاسم كاظم احمد علو النداوي
التاريخ 20/09/2014 11:31:05 م
التعليق رحمه الله كان نعم الرجل خدم بلاده وامته نعم الخدمة وكان ضابط مهنيا ولائه لوطنه وامته . انه شخصية قلما يجود بها الزمن , في زمننا الحالي لانرى رجالا وانما اشباه رجال كائنات طفيلية ولائها وقرارها من خلف الحدود

الاسم اخت الفاروق
التاريخ 21/09/2014 09:29:47 م
التعليق من المؤسف ان يفقد العراق مثله وان يظل ناس همج لملوم مثل من يتصدر المشهد اليوم الله يرحمه برحمته الواسعه ويرحمنا من بعده مما نحن فيه الان وبالصدفه قبل يوم من وفاته كانت صفحه الجيش العراقي السابق على الفيس بوك قد نشرت له صوره وكان من بين التعليقات تعليق من احد اولاده في الجيش وكان يقول رغم مرضه الا ان علامات الفرح ترتسم على وجهه عندما يزوره ابناءه من الضباط .

شكرا لك يا استاذ هارون على هذه المقاله وهي قليله بحقه وان شاء الله الايام ستدور وسيعود العراق الى احسن مما كان وسنكرمه وغيره ممن اثروا تاريخنا باعمالهم وتضحياتهم

الاسم الاسد الحمداني
التاريخ 22/09/2014 01:18:22 ص
التعليق رحمك الله ابى مثنى فقد كنت السيف والدرع لهذا الوطن واسفي على هذا الزمان اصبحت فيه رتبة الفريق تعطى للصعاليك امثال قاسم عطا وعثمان الغانمي مع الاسف

الاسم صباح الزهيري
التاريخ 29/09/2014 09:23:40 م
التعليق وشكرا للأستاذ هارون....وأنت أيضا كفيت ووفيت المرحوم بمقالك الكريم هذا الذي يدلل على حسك الوطني العالي.....

إضافة تعليق

الاسم  
التعليق